السيد محمد تقي المدرسي
15
المجتمع الإسلامي (منطلقاته وأهدافه)
في حياته . حيث يولد طفلا رضيعا ثم يصبح شابا مراهقا ، فرجلا ، فكهلا ، فشيخا ، فهرما ، ثم يموت . والأمثلة التاريخية على ذلك كثيرة ومتنوعة يعددها ارنولد توينبي في كتابه " مختصر دراسة التاريخ " النظرية الثالثة : والتي يؤيدها الاسلام وتقوم أنظمته وشرائعه عليها ، فهي تقف في الوسط بين النظريتين السابقتين . لتعطي للفرد أهميته اللائقة ، كما تعطي للمجتمع دوره المؤثر ، وتنظم العلاقات بينهما بشكل دقيق ومتوازن . . فالمجتمع يؤثر في الفرد والفرد بدوره يؤثر في المجتمع ، انها لا تسلب الفرد ارادته ، ولا تحرم المجتمع من تلك القوانين والأنظمة الديناميكية التي تعطيه الوقود المناسب في مسيرته الحضارية التكاملية . وعلى هذا فهي لا تنفي تلك النظريتين ، وانما تربط بينهما بشكل تزول معه الهوة الفاصلة بين الفرد والمجتمع ، وتجعل الاثنين يتفاعلان مع بعضهما لما فيه خير الانسانية وسعادتها . كذلك فهي ترى ان الدورة الاجتماعية المنتظمة ليست حتمية ابدا . ففي التاريخ الحديث مثلا نجد ان المجتمع الألماني كان مجتمعا حيويا يتفجر ثورة واندفاعا وكان باستطاعته ان يبقى زمنا طويلا متحكما في القارة الأوربية ولكن هذا المجتمع الفتي ابتلي بطاغوت اهوج ( هتلر ) ، وبحزب متطرف ( الحزب النازي ) ، فانقاد إلى النهاية المحتومة . وانك ترى الان وبعد أكثر من خمسة وثلاثين عاما من انتهاء الحرب العالمية الثانية ، ان ألمانيا ما زات منقسمة على نفسها إلى قسمين أحدهما تحت مظلة المعسكر الشرقي والاخر تحت مظلة المعسكر الغربي . وهكذا فالمجتمعات قد تموت في أيام شبابها ، وقد يشيخ مجتمع ويهرم ويشرف على الموت ، ولكن لا يلبث ان ينبعث في داخله مصلح يفجر امكاناته الذاتية المتخزنة فيتحدى المجتمع بإرادة أبنائه تيار الانحدار ، ويتقدم مرة أخرى حتى يثبت نفسه ، كما حدث بالنسبةللمجتمع العربي الجاهلي الذي كان مشرفا على التفسخ والاندثار ، ولكن بمجيء النبي ( ص ) وظهور الاسلام ، دبت فيه الروح ، وإذا بالعرب يصبحون في